عبد الملك الجويني

292

نهاية المطلب في دراية المذهب

أحدهما - عمومُ البلوى ؛ فإن قليلَه يعم . والآخر - أن المرعيّ في تنزيه البدن والثياب عن النجاسات في الصلاة ، تعظيمُ أمرها ، وتوقيرُها ، وحمل المكلف على إقامتها على أحسن هيئة ، وأنظف زينة . والكثير ( 1 من الفن الذي نحن فيه قد لا يعم وقوعاً ، ولا يظهر الابتلاء به ، ويفحش أيضاً في النظر ، ولكن 1 ) من حيث لا ينضبط المَيْزُ بين القليل والكثير ، بتوقيفٍ شرعي ولا بوجهٍ من الرأي ، قال فقهاؤنا : القليل معفو عنه ، وفي الكثير وجهان : أحدهما - لا يُعفى عنه لما ذكرناه ، والثاني - يُعفى عنه نظراً إلى الجنس ، ولما أشرنا إليه من عسر التمييز بين القليل والكثير ، وإذا كان كذلك ، فَلَوْ لم يُعفَ عن الكثير ، لجرَّ ذلك تنغيصاً في العفو عن القليل ، من جهة أنه قد يعتقد المعتقد أن ما يراه قليلاً في أوائل حد الكثرة . والظاهر في المذهب الفرق بين القليل والكثير ، فليقع التعويل عليه . 1051 - ثم سر هذا الفصل الكلام في ضبط القليل وتمييزه عن الكثير . نقل الرواة عن الشافعي في القديم أنه قال مرة : " القليلُ من دم البراغيث ، وما في معناه ، قدرُ الدينار " ، وقال مرة أخرى : " قدرُ كف " ، وهذا مشكل لا نعرف له مستنداً ، وهو في حكم المرجوع عنه ، فليعتمد مسلكه في الجديد ، [ وقد استنبط الأئمة وجوهاً من الكلام من مسالكه في الجديد ] ( 2 ) ، ونحن نأتي عليها إن شاء الله تعالى . فقال قائلون : إن كان موضع التلطخ بحيث يلوح ويلمع للناظر من غير احتياج إلى تأمل ، فهذا في حكم الكثير ، وهذا يستند إلى خروج رتبة الصلاة عن الجهة المبتغاة في التحسين ، ورعاية النظافة ، فهذا مسلك . والمسلكُ الأفقه في ذلك : أن المقدار الذي يجري التلطخ به غالباً ، ويتعذر التصون منه هو القليل المعفوّ عنه ، فنأخذ القليل مما نأخذ منه أصلَ الفصل ، وهو

--> ( 1 ) ما بين القوسين ساقط من : ( ت 2 ) . ( 2 ) زيادة من : ( ت 1 ) ، ( ت 2 ) .